السيد الطباطبائي
125
تفسير الميزان
وكان الناس على رغبة شديدة في اخذ القرآن وتعاطيه ولم يترك هذا الشأن ولا ارتفع القرآن من بينهم ولا يوما أو بعض يوم حتى جمع القرآن في مصحف واحد ثم أجمع عليه فلم يبتل القرآن بما ابتليت به التوراة والإنجيل وكتب سائر الأنبياء . أضف إلى ذلك روايات لا تحصى كثرة وردت من طرق الشيعة وأهل السنة في قراءاته صلى الله عليه وآله وسلم كثيرا من السور القرآنية في الفرائض اليومية وغيرها بمسمع من ملا الناس وقد سمى في هذه الروايات جم غفير من السور القرآنية مكيتها ومدنيتها . أضف إلى ذلك ما تقدم في رواية عثمان بن أبي العاص : في تفسير قوله تعالى : " ان الله يأمر بالعدل والاحسان " الآية النحل : 90 من قوله صلى الله عليه وآله وسلم إن جبريل اتاني بهذه الآية وأمرني أن أضعها في موضعها من السورة ونظير الرواية في الدلالة ما دل على قراءته صلى الله عليه وآله وسلم لبعض السور النازلة نجوما كآل عمران والنساء وغيرها فيدل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر كتاب الوحي بالحاق بعض الآيات في موضعها وأعظم الشواهد القاطعة ما تقدم في أول هذه الأبحاث ان القرآن الموجود بأيدينا واجد لما وصفه الله تعالى من الأوصاف الكريمة . وبالجملة الذي تدل عليه هذه الروايات هي أولا ان الموجود فيما بين الدفتين من القرآن هو كلام الله تعالى فلم يزد فيه شئ ولم يتغير منه شئ واما النقص فإنها لا تفي بنفيه نفيا قطعيا كما روى بعدة طرق ان عمر كان يذكر كثيرا آية الرجم ولم تكتب عنه واما حملهم الرواية وسائر ما ورد في التحريف وقد ذكر الآلوسي في تفسيره انها فوق حد الاحصاء على منسوخ التلاوة فقد عرفت فساده وتحققت ان اثبات منسوخ التلاوة أشنع من اثبات أصل التحريف . على إن من كان له مصحف غير ما جمعه زيد أولا بأمر من أبى بكر وثانيا بأمر من عثمان كعلى عليه السلام وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود لم ينكر شيئا مما حواه المصحف الدائر غير ما نقل عن ابن مسعود انه لم يكتب في مصحفه المعوذتين وكان يقول إنهما عوذتان نزل بهما جبريل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليعوذ بهما الحسنين عليهما السلام وقد رده سائر الصحابة وتواترت النصوص من أئمة أهل البيت عليهم السلام على أنهما سورتان من القرآن .